أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
306
العمدة في صناعة الشعر ونقده
- وقيل : أفضل البديهة بديهة أمن وردت في موضع خوف ، فما ظنك بالارتجال وهو أسرع من البديهة . - وكان أبو نواس قوىّ البديهة والارتجال ، لا يكاد ينقطع ، ولا يروّى إلا فلته ، وروى « 1 » أن الخصيب « 2 » قال له مرة يمازحه ، وهما بالمسجد الجامع : أنت غير مدافع في الشعر ، ولكنك لا تخطب ، فقام من فوره يقول مرتجلا « 3 » : [ الطويل ] منحتكم يا أهل مصر نصيحتى * ألا فخذوا من ناصح بنصيب رماكم أمير المؤمنين بحيّة * أكول لحيّات البلاد شروب فإن يك باقي سحر فرعون فيكم * فإنّ عصا موسى بكفّ خصيب « 4 » ثم التفت إليه وقال : واللّه لا يأتي بمثلها خطيب مصقع ، فكيف رأيت ؟ فاعتذر إليه ، وحلف إن كنت إلا مازحا . - وسمعت جماعة من العلماء يقولون : كان مسلم بن الوليد نظير أبى نواس ، وفوقه عند قوم من أهل زمانه في أشياء ، إلا أن أبا نواس قهره بالبديهة والارتجال ، مع تقبّض كان في مسلم ، وإظهار توقّر وتصنّع ، وكان صاحب رويّة وفكرة ، لا يبتده ولا يرتجل .
--> ( 1 ) في ف : « ويروى » ، وفي المطبوعتين والمغربيتين : « روى » بحذف الواو . ( 2 ) هو الخصيب بن عبد الحميد العجمي ثمّ المزارى ، أمير مصر ، وهو دهقان من أهل المزار ، شريف الآباء ، وليس بابن صاحب نهر الخصيب ، وكان رئيسا في أرضه ، فانتقل إلى بغداد ، وصار كاتب مهرويه الرازي ، ثم انتقل إلى الإمارة ، وقد وفد أبو نواس على الخصيب في حداثة سنة . وكان من خبر هذا الشعر أن أهل مصر كانوا قد شنعوا على الخصيب لزيادة في أسعارهم ، وكان على شربه ، وعنده أبو نواس ، فوثب أبو نواس وقال : دعني أيها الأمير أكلمهم ، فقال : ذاك إليك ، فخرج حتى وافى المسجد الجامع ، وقد تواعد أن يجتمعوا فيه ، فأنشد هذه الأبيات ، ويقال : إنه ارتجلها على المنبر ، فلما سمعها من اجتمع تفرقوا فلم يبق منهم أحد ، وعاد إلى مجلس الخصيب ، فأمر له بألف دينار ، ولما استنشده الرشيد هذه الأبيات قال : ألا قلت : فباقى عصا موسى بكف خصيب ؟ فقال له : وهذا يا أمير المؤمنين أحسن ، ولكنه لم يقع لي . [ هامش البيان والتبيين 3 / 31 و 32 بتصرف ] ، وانظر ديوان أبى نواس 484 ، والموشح 426 ، وأخبار أبى نواس ضمن كتاب الأغانى [ ط الشعب ] 29 / 10012 - 10014 ، وبدائع البدائة 333 ، وما في بدائع البدائة يكاد يكون هو ما في العمدة . ( 3 ) ديوان أبى نواس 484 ، باختلاف في الترتيب . ( 4 ) في الديوان : « فإن يك فيكم إفك فرعون باقيا » .